سهيلة عبد الباعث الترجمان
536
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
هذه المدرسة إلى الفناء في اللّه ومحو الوجود المجازي في الوجود الحقيقي ، وهو " الوجود المطلق " فلا ترى موجودا حقا إلا اللّه تعالى وما سواه عدم فلا وجود إلّا اللّه . وهذه حقيقة ثابتة لا مراء فيها بل هي ذروة الإيمان باللّه . وقد أكدت هذه المدرسة على الوحدة وأنه لا كثرة في الوجود ، بل أكدت وجود الجوهرية وعدم وجود أي معنى للمادية أو الذاتية الفردية « 1 » . وهذه العقيدة لوحدة الوجود يمكن أن تترجم الوجود إلى وحدة تفوق العقل أو إلى فردانية أو وحدانية للوجود ، وهي التي كثيرا ما أسيء فهمها على أنها فكرة في الحلول تتضمن جوهرية الوحدة لكل الأشياء مع العلة للذات الإلهية « 2 » . لقد هوجمت تعاليم هذه المدرسة بسبب مناداتها بهذه النظرية الجديدة في وحدة الوجود ، وقد أثبت فيها ابن عربي الصلة بين اللّه والوجود ، وقرر أن الموجودات في الحقيقة كلها شيء واحد ، وجودها الحق هو اللّه تعالى ، ووجودها الظاهر هو العالم ، أما من حيث وجود المخلوقات فقد صرح أن وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق « 3 » . وهكذا فإن هذه الوحدة عند ابن عربي إنما يعني بها الوحدة المتعالية للوجود ، وهي ليست بمعنى الحلول أو القول بالوحدانية الوجودية ، لأن الحلول يتطلب نظاما فلسفيا خاصا ، على حين أن ابن عربي لا يلتزم بنظام فلسفي . كما أن الحلولية تقتضي اتصالا جوهريا بين اللّه والكون ، لكن ابن عربي هو أول من يقول بالتعالي المطلق للذات الإلهية على المقولات جميعها بما في ذلك مقولة الجوهر « 4 » . لذلك نرى أن أثر ابن عربي لم يكن مقتصرا على تلاميذه ومريديه ومؤيديه فقط ، بل امتد إلى آفاق بعيدة ، وشمل جوانب مختلفة من حياة الصوفية إذ أنه لم يقف عند الجانب النظري للتصوف فحسب بل امتد بعمق إلى صياغة الحياة الصوفية كلها ،
--> ( 1 ) Nar , ( Seysed H ) , Islamic Studies Beirut , L . de Liban , Beirut , 1967 , p . p . 59 - 60 ( 2 ) Ibid , P . 60 ( 3 ) ابن العماد ، شذرات الذهب ، م 5 ، ص 192 . ( 4 ) نصر ( سيد حسين ) ، ثلاثة حكماء مسلمين ، مرجع سابق ، ص 138 .